الضحيتان
ـ ماذا يفعل الإنسان حينما يمرض عزيز له ؟
ـ ماذا يفعل حينما يفارقه صديق له ؟
ـ ماذا يفعل حين يفقد حبيباً له ؟
إنه يحزن ويتألّم ويذرف دموعاً سخية على هذه المواقف … لكن ماذا يفعل الإنسان لو وجد نفسه أمام فتاتين حدثين منتهكتين ؟ أمام طفلتين بريئتين تعرضتا لأقصى وأبشع جريمة … يمكن أن يتعرض لها إنسان؟.
هـل يحزن … يبدو الحزن شعوراً قاصراً في هذا الموقف هل يبكي .. يبدو الدمع فاتراً في هذه المواقف … ربما تنتابه رغبة … رغبة في الصراخ … أو صمت حدّ الضجيج . وتقهقـر إلى أقصى زاوية من زوايا النفس . أن يجد الإنسان نفسـه وجهاً لوجه أمام ضحيتين في عمر الورود . تروي لي إحداهما القصة قائلة : …
ماذا أقول لك … وماذا أحكي لك … وماذا يمكن أن تقول جريحة مثلي في أعزّ ما تملك الأنثى … ماذا أقول لكِ وقد اسودّت الدنيا في نظري … ماذا أقول لكِ وقد أفرغت الدنيا قساوتها في قلبي ، ونزعت الفرح للأبد من صدري … شريط حزين … حزين تفاصيله ممعنة في القتامة … فتحت عينيّ على أب مستهتر … لم أشعر يوماً أنه حريص على أسرته … أو يشعر بأية مسؤولية تجاه أربعة أطفال : ولدان وبنتان … الأم (وافدة) تزوجها وأتي بها … وهو لا يملك أي مقومات لإقامة أسرة أتعبها وأرهقها … لم يكن يحترمها … كان دائم الشتم والإهانة لها … ولم تستطع أن تفعل شيئاً … وماذا تفعل وهي هاربة من واقع سيئ … ولا تريد العودة إليه … كان يضربها ضرباً مبرهاً كلما لعبت برأسه الخمر … وماذا تفعل أنسأنة سلبية بسيطة حدّ السذاجة … دفع بها القهر والفقر في بلدها إلى الارتباط بهذا الزوج … كنا نكبر ويكبر جرحنا وحزننا … وتتسع حدقاتنا على مشهد بشع ، وجودنا خارج البيت ، الذي كان يؤوينا ويلمنا على الأقل .
صحونا على مُطالبة الدائنين لأبي ، بأن يدفع الأموال التي كان يقترضها منهم فباع البيت لهم ، وألقى بنا في الشارع ، إلى أن لجأنا إلى عمي الذي وفّر لنا مسكناً سيئاً للغاية ، وعاد أبي إلى ما هو عليه لا يعمل ، ويرغب في المال لينفقه على الخمـر … نعم لم يكن أبي يعمل وكنت أذهب من بيت إلى بيت أعمل كخادمة . تصوري تركت المدرسة وعملت كخادمة ، لكي أنفق على أمي وأخوتي القُصر ، لكن أبي كان يأخذ مني جهدي ويذهب ليشتري به الخمر ، وكنا في كثير من الأحيان نبيت من غير طعام . ووالدي لا يعنيه هذا الأمر … المهم عنده المال الذي يشتري به الخمر.
هـذا هو المناخ الذي كبرت فيه لا أتذكر يوماً سعدت فيه … حاولت التحمل … لكني فشلت أمام والد لا يفيق ، وأمّ ساذجـة لا تشعر تجاهنا بأية مسؤولية … قررت الهرب من البيت وبالفعل هربت … لا أدري إلى أين ؟ المهم الهروب من هذا الجحيم … لم أفكّر في أية عواقب … هِمت على وجهي في الشوارع حتى قبضتْ عليّ الشرطة . قضيت هذه العقوبة ثم غادرت لأعـود مـن جديد إلى الواقع الأليم… الذي لم يتغي
























