الضحيتان
كتبهازينب شاهين ، في 2 أبريل 2008 الساعة: 18:45 م
الضحيتان
ـ ماذا يفعل الإنسان حينما يمرض عزيز له ؟
ـ ماذا يفعل حينما يفارقه صديق له ؟
ـ ماذا يفعل حين يفقد حبيباً له ؟
إنه يحزن ويتألّم ويذرف دموعاً سخية على هذه المواقف … لكن ماذا يفعل الإنسان لو وجد نفسه أمام فتاتين حدثين منتهكتين ؟ أمام طفلتين بريئتين تعرضتا لأقصى وأبشع جريمة … يمكن أن يتعرض لها إنسان؟.
هـل يحزن … يبدو الحزن شعوراً قاصراً في هذا الموقف هل يبكي .. يبدو الدمع فاتراً في هذه المواقف … ربما تنتابه رغبة … رغبة في الصراخ … أو صمت حدّ الضجيج . وتقهقـر إلى أقصى زاوية من زوايا النفس . أن يجد الإنسان نفسـه وجهاً لوجه أمام ضحيتين في عمر الورود . تروي لي إحداهما القصة قائلة : …
ماذا أقول لك … وماذا أحكي لك … وماذا يمكن أن تقول جريحة مثلي في أعزّ ما تملك الأنثى … ماذا أقول لكِ وقد اسودّت الدنيا في نظري … ماذا أقول لكِ وقد أفرغت الدنيا قساوتها في قلبي ، ونزعت الفرح للأبد من صدري … شريط حزين … حزين تفاصيله ممعنة في القتامة … فتحت عينيّ على أب مستهتر … لم أشعر يوماً أنه حريص على أسرته … أو يشعر بأية مسؤولية تجاه أربعة أطفال : ولدان وبنتان … الأم (وافدة) تزوجها وأتي بها … وهو لا يملك أي مقومات لإقامة أسرة أتعبها وأرهقها … لم يكن يحترمها … كان دائم الشتم والإهانة لها … ولم تستطع أن تفعل شيئاً … وماذا تفعل وهي هاربة من واقع سيئ … ولا تريد العودة إليه … كان يضربها ضرباً مبرهاً كلما لعبت برأسه الخمر … وماذا تفعل أنسأنة سلبية بسيطة حدّ السذاجة … دفع بها القهر والفقر في بلدها إلى الارتباط بهذا الزوج … كنا نكبر ويكبر جرحنا وحزننا … وتتسع حدقاتنا على مشهد بشع ، وجودنا خارج البيت ، الذي كان يؤوينا ويلمنا على الأقل .
صحونا على مُطالبة الدائنين لأبي ، بأن يدفع الأموال التي كان يقترضها منهم فباع البيت لهم ، وألقى بنا في الشارع ، إلى أن لجأنا إلى عمي الذي وفّر لنا مسكناً سيئاً للغاية ، وعاد أبي إلى ما هو عليه لا يعمل ، ويرغب في المال لينفقه على الخمـر … نعم لم يكن أبي يعمل وكنت أذهب من بيت إلى بيت أعمل كخادمة . تصوري تركت المدرسة وعملت كخادمة ، لكي أنفق على أمي وأخوتي القُصر ، لكن أبي كان يأخذ مني جهدي ويذهب ليشتري به الخمر ، وكنا في كثير من الأحيان نبيت من غير طعام . ووالدي لا يعنيه هذا الأمر … المهم عنده المال الذي يشتري به الخمر.
هـذا هو المناخ الذي كبرت فيه لا أتذكر يوماً سعدت فيه … حاولت التحمل … لكني فشلت أمام والد لا يفيق ، وأمّ ساذجـة لا تشعر تجاهنا بأية مسؤولية … قررت الهرب من البيت وبالفعل هربت … لا أدري إلى أين ؟ المهم الهروب من هذا الجحيم … لم أفكّر في أية عواقب … هِمت على وجهي في الشوارع حتى قبضتْ عليّ الشرطة . قضيت هذه العقوبة ثم غادرت لأعـود مـن جديد إلى الواقع الأليم… الذي لم يتغير فيه شيء … بل ازداد سوءاً … لم يلتفت أحد لوجودي … ولم يهتم بي أحد ، لم أعد يهمني شيئاً … ولم بعد لحياتي أي معنـى (أبي) صارت كلمة بلا معنى وأمـي لم تشعرنا يوماً بأنها تحبنا … وأن مصلحتنا تهمها … كانت دائماً مستاءة ويبدو أنها كانت تعاني من ضعف شخصيتها ، تعاني من تقصيرها وعدم إمكانها للقيام بدورها كـأمّ حنونة قوية حافظة لأبنائها.
اندفعت للشارع ، اندفعت لفعل أي شيء وكانت الوحوش في انتظاري … نعم وحوش كنت في حالة نفسية سيئة … كنت أرغب فـي شيء واحد فقط … هو البعد عن هذه الأسرة ، دفنت رأسي وسلمت نفسي لهؤلاء الوحوش ، لقد وجدوا فريسة سهلة … انتهكت على أيديهم. وكانوا يدسّون لي الحبوب المخدّرة ، لم أستطع أن أحتمل أكثر من ذلك هربت منهم … وسلمت نفسي إلى أقرب مركز شرطة ، وأعيد سجني من جديد . لكن هذه المرة لم تكن مثل سابقتها … فلم تعدْ التهمة تتشرد فقط بل هذه المرة (مواقعة) … وتعاطٍ هذه قصة الأولى …
أما البنت الثانية وهي الأصغر فتقول :
لقد حاولت أن أصلح من حالي ، وأن أنتشل نفسي من هذه الأجواء ، أجواء أسرتي الموبوءة ، التي فقدت كل معنى للأسرة … الأسرة التي كان من المفترض أن تحفظنا وتمد لنا العون … لأن تدفعنا للتشرد … لم أكن أُريد أن أكرر مأساة أختي الكبرى ، عملت في أحد المصانع وكنت سعيدة بما أتقاضيه … كانت أسعد الأوقات هي تلك التي أمضيها خارج البيت … وما أتحصل عليه من مال ينقضّ عليه أبي ليشتري سُكره.
تعرفتُ على إحدى صديقات أختي كانت تبدو طيبةً في أول الأمر ، لكنها في الحقيقة كانت تضمر الشر والخديعة … قادتني إلى رفاق السوء الذين كانت تربطها بهم علاقة وثيقة ، وكان يسخّرونها في الإيقاع بالفتيات ، ودفعهن نحو مصيدة الرذيلة والتشرد ، على أيدي شلة باعت نفسها للشيطان.
كان مصير أختي نفسه في انتظاري والتفاصيل نفسها تقريباً … وما كانت الكبرى لتغادر مكان العقوبة حتى كانت الأخـرى تدخله وبالجرح نفسه ، والأب لا يدرك شيئاً من هذا . لا يدرك أن بناته يُنتهكن وهو في غيبوبة دائمة … فَقَدَ شعور الأبوة ولم يشعر بأدنى مسؤولية اتجاه بناته ، اللائي أخرجتهن الحاجة إلى الشـارع … الشارع الذي يضم الصالح والطالح ، فتيات لم يتجاوزنا سن المراهقة ، جائعات فاقدات للحنان والحب والرعاية …
زهرتان كانتا من الممكن أن تفوحا عطراً وأريجاً فوّاحاً … كانتا من الممكن أن تكونا داخل الحرم الجامعي تتلقيان العلوم والمعارف … لكن الزهرتين تحولتا إلى مأساتين وزُجّا بها إلى التوقيف والعقوبة … والدان مجردان من مشاعر الإنسانية … لم يحتسبا أدنى حساب لهذه العلاقة العظيمـة التي تربط بينهما وبين أبنائهم لم يقـدروا مسؤولياتها تجاه أبنائهم … قد دفعوا بهم إلى الهلاك ، وإلى مصير مشؤوم.
هل يمكن لأب يتخبط في سكره ، يغيبّ وعيه وعقله ، أثمن نعمة وهبها له الله سبحانه وتعالى ، غيبّه وضاع ولم ينتبه إلى أن شرفه بين مخالب الوحوش ، وأن بنتيه فلذة كبده ، تنتهك كرامتهما. لم يحترم رجولته التى تفرض عليه أن يبذل كل جهده ليوفّر لهم عيشاً معقولاً ، ويكفل لهم الحياة بشرف . لكن هيهات أن يفكّر رجل مثل هذا المستهتر في هكذا أمور … إنه يقولها لبناته صراحة … اذهبن وأحضرن المال وبأية طريقة …
أهذا إنسان ، يدفع بناته إلى الشارع إلى الرذيلة وهو يغطّ في سكره … وللأسف هو الآن طليق ، وبناته محجوز عليهن . أما الأم فقد تحايلت على مأساة بنتها الأولى وزوجتها لأول عابر سبيل وهو رجل (وافد) … وجاءت إلى الثانية لتخبرها بأن عليها ألا تحزن لأنها فقدت بكارتها فإنها ستدبر لها الأمر … ويعود كل شيء على حاله.
هذه هي الأم … هذه هي مسؤوليتها تجاه بنتيها المغتصبتينٍ .. الأولى ورطتها في زيجة غير متكافئة ، والثانية لم تتأثر لها ، بل جعلت معيار الشرف لها عملية جراحية بسيطة.
هكذا أوقع القدر هاتين الفتاتين المسكينتين في أسرة لا تعرف قيمة لهذه الكلمة … في محيط اجتماعي غير مؤهّل للتنشئة والتربية . من الأب بدأت المأساة . الأب الذي جمع بضعة دينارات وهرول بها خارجاً للزواج . وكيفا اتفق تزوج وأنجب ، ولم يفعل شيئاً أكثر من هذا ، ولا أبعد شيء واحد حرص عليه هو الإدمان والتعاطي …أما الأم فلم تكن تشعر بأية مسؤولية تجاه أسرتها … نتيجة للظروف القاسية التي تعرضت لها ، ونتيجة لمحيطها أيضـاً التي انطلقت منه … في هـذا الجو من الاستهتار واللا مسؤولية نشأت البنتان ، وهما الآن تقضيان عقوبة …
لكن تُرى مَنْ يعاقب الوالدين على ما اقترفاه ؟ مَنْ يعاقبهما ؟ على جريمتهما الأكبر في دفع البنات البريئات إلى هذا المصير الأسود ؟.
وفـي نهاية هـذه القضية أشير إلـى أن هناك جهداً إصلاحياً اجتماعياً ، يتم داخل المؤسسات الاجتماعية التي تُقضي فيها فترة العقوبة على أيدي إخصائيات اجتماعيات مؤهلات يشعرن بمسؤولية كبيرة اتجاه هؤلاء الضحايا . لكن المشكلة تكمن بعد انقضاء الفترة داخل المؤسسة الاجتماعية.
ولا يعود من حق اللواتي أنهين الفترة في البقاء فيرجعن إلى المحيط البيئي الأسري ، الموبوء نفسه ، فيفسد ما تم إصلاحهُ داخل تلك المؤسسة ، ويرجعن إلى محيط الجريمة والانتهاك مرة أخرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 10th, 2008 at 10 أبريل 2008 1:09 ص
ما سر هذا الهجر الطويل
ما سبب هذا الحزن الغامر
لماذا يا انت كل هذا العبوس
قلت له وزفراتى تسبقنى واهاتى ترسم ملامحى
هو خضم الفراق وتلاطم الامواج
خضم جراح واهات اوجاع قلب يريد ان يرتاح
خضم ابتلع بسمتى وشد علي خناق نفسي
لقد كسر قلبى
لقد جرحت روحى
وماتت بسمتى
ولا يزال يتلقى قلبي الضربات
اسوء ما في الطعون طعون فوق الطعنات من قريب كان
وهجر دون اسباب من وليف لقلب
وانتم من حولي مستغربين ومندهشين
انتم في حيرة من امركم
تريدون معرفة سر حزنى الليلة
في كل مكان من قلبي همسة وذكرى
وانتم هناك تعيشون في هدوء وسكنات
اهو القدر ولا مفر منه
يا انت يا صاحب القلب المكسور
ما اسوء ان لا يفهمك من توجه لهم الخطاب
ما اسوء ان يتهموك ويزدروك
ما اسوء ان يظنوا بك الظنون
ما اسوء ان يفاجئك اقرب المقربين
ويتلقاك بنظرة عبوس وينزلك للحضيض
سيئة هي الحياة حينما يتجاهلك المحبون
ويتناسون العهود
يتلقفونك على الخطوات
ويحصون عليك العثرات
مثلهم كمثل من يتلمس الزناد
تكفي ضغطة بسيطة ليخرج الجحيم
ربما من يقرء كلامي قد يسخر منه
ويزدري هذا النوع من الشعر
لكن ذلك لا يهمني
المهم اني كتبت وانتهى الامر
ولقد قلت وساقول
ما اسوء ان تضيق الفسحة التي تنفس بها عن هموم نفسك
حتى تنمسخ إلى فتحة صغيرة لا يجاوز قطرها مليمتر واحدا
حينها لن تجد ما يطابق هذه الفتحة سوى فوهة يراعك
ولن تجد ارحب من صدر صفحة قرطاسك
لتبدء فى التدوين
أبريل 11th, 2008 at 11 أبريل 2008 8:17 م
ان هده المغامرات التى قامت بها هاتان الضحيتان ليست انحطاط ولابد من فهمهما كالية وكرغبة فى تحقيق التحرر الفعلى للمراءة والرجل كدلك ونحن مطالبون رجالا ونساء بتحويل هدا التحرر الفعلى المنافق والدى لايرغب فى الاصطدام باحد الى نوع اخر لايعتريه اى نفاق يطالب بهدم تلك النصوص المهترئة والبالية وماابثق عنها من قوانين ظالمة الحقت اضرار بالغة بهاتين الضحيتين والكثيرات غيرهن الى اخرى تخترم حرية الانسان وكرامته لان تطبيق تلك القوانين المستمدة من النصوص هو الدى ادى الى حدوث تلك المآسى اننا فى مجتمع لايتعامل الا بما هو محسوس وظاهر وهنا تكمن الازمة ان هدا القلب الانسانى والغير مرئى لانستطيع مواجهته بتلك النصوص القديمة والمهترئة والتى اتبتث فشلها وعلينا ان نفكر ونبتدع اخرى بديلا عنها ودلك باعادة طرح الاسئلة عن ماهية العديد من المفاهيم والقيم مثل الشرف والكرامة الانسانية والفضائل والردائل واعادة ترتيبها فى منظومة جديدة تتلائم مع العصر ان خروج المراءة من البيت مثلا فى مطلع القرن العشرين كان عيبا وكان دلك مدعوما بتلك النصوص المهترئة فهل هو عيب اليوم وما يسرى على هدا يسرى ايضا على جميع المفاهيم الاخرى اد يتحتم علينا اعادة طرح الاسئلة حولها والاجابة عليها بما ويتوافق والعصر والا فان المآسى ستزداد وتستفحل ولن ينفع معها علاج انداك