عشية ليست كالعشيات

كتبهازينب شاهين ، في 8 فبراير 2008 الساعة: 16:38 م

عشيّة ليست كالعشيّات

 

ثلاثة أسابيع كاملة ، تغيّب عن المدرسة طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمـره وتغّيبت أيضاً أخته عن دراستها . تبـدو الجملة إنشائية باهتة لا حرارة فيها … وماذا في الأمر .. إذا تغّيب تلميذان عن المدرسة … أكيد هناك ظروف قد منعتهما من الحضور … وبإمكانهما أن يعوّضا ما فاتهما . ياليت الأمر توقّف عند هـذا الحد … وياليت الظروف التي منعتهما كانت مناسبة ، أو عائقاً اجتماعياً ، أو صحياً وتجاوزاه.

إنها " عشية " من العشيات … اصطحب فيه الوالد طفليه إلى ورشة إصلاح السيارات ليستلم سيارته بعد " غيبة " كان الجميع متشوقاً للسيارة بعد إجراء الإصلاحات اللازمة ، يتفقدها الصغيران بلهفة وحب . وأخذا يتحسساها ويمعنان  فيهـا النظر . ويتقافزان على مقاعدها ، ويدققان في هيكلها ولونهـا.

وبينما هم هكذا … مرّ طائش لايلوى على شيء … مرّ هائج … مرّ بائس إلى حد الاشمئزاز يقود سيارته بسرعة جنونية ، ليصدم الأسرة بكاملها ، وهم متجمعون خلف سيارتهم … فجّر الخوف في القلوب الصغيرة … فجّر الرعب … وسالت دماء المساكين … بفعل متهور أحمق تحوّلت النعمة بين يديه إلى نقمة … ووسيلة الراحة إلى وسيلة دمار ، ووسيلة قتل وتحول " الفن والذوق والأخلاق " إلى عناد ومكابرة وتحطيم للآخرين.

ولم يتوقف حدّ الاستهتار والتهور ، واللا مبالاة عند دهسه للأسرة ، وتحويل فرحتها إلى همِّ وحزن وإعاقة ، بل إمعاناً في ممارسة الخُلق السيئ للإنساني فرّ هارباً تاركاً ضحاياها يتخبطون في دمائهم . تصرف لا يمكن أن يصدر عن شخص يحمل ذرة من الإنسانية …

لقد أتيح لي أن أرى منظر الضحيتين … الطفل يجرجر قدّمه المثقل بالجبس متأبطاً عكـازتين ، وهو على أبواب اختبارات مهمة في مدرسته التي يحبها كثيـراً ، أصبـح من دون أقرانه لا يتحرك ، لا يمارس نشاطه العادي … لا يمـارس لعبة الكرة التي كان يحبها … مسكين جنى عليه هذا المتهور المستهتر .. لا تتناقش هنا مسألة القضاء والقدر . إننا بصدد مناقشة سلوك بشرى غير سوي أصبح في ازدياد . وهنا يصبح من الضروري أن يقف المجتمع وقفة صدق مع نفسه ، ويراجع مواقفه الاجتماعية ويراجع معاييره وتقاليده … حتى يضع حداً لهذا المسلسل المأساوي …

فكـل الإحصائيات تـدلّ على أن ضحايا حوادث السير والطرق في ازدياد … وقد كتبتُ على ذلك أكثر من مرة ، وطالبت بإجراءات حاسمة ، تجاه أولئك المستهترين ، واتخاذ تدابير وترتيبات ، حاسمة ضدهم … حتى يكونوا عبرة لغيرهم. إن المشرّع الليبي وهو يراقب ويرصد هذه المآسي الناتجة عن السرعة الجنوبية التي حرمت أسراً من عائلتهم … وحرمت أطفالاً من أمهم … وحرمت والدين من طفلهما … وأقعدت صغيراً عن الحركة … وأعاقت آخر. وغيرّت مجرى حياة أسر كانت تعيش سعيدة هانئة.

فقلبت أمورها رأساً على عقب ، وأسكنت الدموع حتى نهاية العمر في عيون أطفال أبرياء … هل ننتظر مزيداً من المآسي والضحايا ، نتحرك … أليس هؤلاء الأطفال الذين أعيقوا هم أطفالنا ؟ وأليس هؤلاء الذين ماتوا هم أحبتنا وأخوتنا ، والمجتمع في أمسّ الحاجة لقدراتهم وملكاتهم وهذه الأسر ، التي تفجّر فيها الحزن أليست أسرنا ؟!

لماذا حين يغادر السائقون الليبيون بلادهم يلتزمون بقواعد المرور ، وبقواعد السير وبآدابه ويحرصون على حياة الآخرين ؟ … ماهو تفسير ذلك وأليس من باب أولى أن يمارس هذا السلوك القويم والسوي داخل الجماهيرية التي تسعى لأن تكون نموذجاً وأن تخلق بشراً مثاليين ينبع من داخلهم احترامهم للقانون دون أن يكون قهر وملاحقة … لماذا يكون قائدو السيارات الليبيون نموذجيين خارج بلادهم وما إن يدخلوا بلادهم ينقلبون إلى بشر آخرين .

 لا أتحدث هنا عن الجميع فهناك قائدو سيارات على خلق عالِ وهم فعلاً يمارسون القيادة كفن وذوق وأخلاق. وهؤلاء ـ أعني الذين يمارسون القيادة بشكل مثالي ـ يجب أن يكرموا في أسابيع المرور ويمنحون شهادات تقدير وتوضع أسماؤهم في لوحات شرف داخل إدارات المرور..

أما الذين أقصدهم هم أولئك الذين لا يحترمون أصول القيادة … وهناك مسألة مهمة يجب أن تفسر على أساسها الأمور … الذي يجلس خلف عجلة القيادة ليس وهماً وشبحاً وليس خيالاً هو إنسان . والإنسان هو كائن شرفه الله بالعقل حتى يسمو به عن غيره من الكائنات البوهيمية ، التي تمارس حياتها كيفما اتفق ولا إثم عليها.

أما الذي يجلس خلف عجلة القيادة هو إنسان عنده عقل وعنده خلق وعنده قيم وعنده مثل . وقيادته للسيارة تعبّر عن شخصيته وتعكس أخلاقه …

لقد روى أحد الأشخاص أنه في أحدى الدول القريبة لاحظ أن قائدي السيارات وكما يقول " يتعازمون " عند مفترق الطرق ليعطوا الأسبقية لبعضهم البعض ليؤثر بعضهم بعضاً … سلوك حضاري قويم . أنت حين تعطي الفرصة لغيرك للعبور وهي حقّ لك دليل على علو خلقك … وسمو سلوكك وليست مسألة عناد أو مكـابرة أو ضعف . وليس الطريق العام ساحة لإثبات الشجاعة والرجولة أو إحراز البطولات أو أن يتحول إلى " مراثون " للسرعات الجنونية وتكون النتيجة ليست جوائز يحرزها المتصارعون ، إنّما تكون النتيجة في غالب الاحيان ، ضحايا أبرياء.

تحدثنا أكثر مره عن هذه المشاهد وخاصةً تلك التي تكرر كل صباح ومازالت مستمرة ، طالما ليس هناك رادع لهؤلاء المتهورين ، الذين يضايقون المارة ، على الملأ ويقودون سياراتهم بسرعات جنونية ، ذهاباً ومجيئاً ولمرات عديدة دون أن يتوقع أن هناك من سيوقفه ويحرمه من الترخيص ، الذي منح له لممارسة القيادة على أصولها . فلو شعر هذا المتهور بحزم الإجراء الذي سيتخذ ضده باسم القانون الذي لا يحق لأي شخص ، شّرفه المجتمع بـأن يقوم على أمر تطبيقـه وحمايتـه ، لا يحق له أن يمـارس ضـده اللامبالاة ، أو يسخّره لمآربه الشخصيـة ، أو لترتيب علاقات اجتماعيـة . المجاملـة الاجتماعية شيءٌ رائع ولا يمكن لأحد أن ينكرها إذا مورست بأصولها وفي أجوائها. أما القانون ذلك المبجل العظيم فلا يحق لأي شخص أن يتهاون في تطبيقه . وأن عظمة المجتمعات تتحدد باحترام مواطنيها للقانون وتعاملهم معه . لا أحد ينكر دور رجال المرور في مجتمعنا ، وأنهم يؤدون واجبهم على أكمل وجه ، وأنهم يمارسون عملهم بنزاهة بالرغم من الضغوطات الاجتماعية التقليدية ، التي تمارس عليهم فيكونون بين المطرقة والسندان . إما أن يجاملوا مجتمعهم بتركيبته وذلك سيكون علـى حساب القانون وإما أن يطبقوا القانون فتتأثر علاقاتهم الاجتماعية سلباً ، هذه مسألة جوهرية تتعلق بمجتمع على أعتاب قرن جديد يجب أن يراجع بشجاعة (المنظمات) التي تسيّره.

إن كل مؤسساتنا العلمية ومراكزنا البحثية ، وكفاءاتنا الفكرية ، والأدبية ، والثقافية ، مدعوة لإعادة ترتيب المنظومة الاجتماعية ، للمجتمع العربي الليبي وتنقيتها ، من الشوائب التي علقت بها وهي منها بريئة . فصرنا نسمع عن سلوكيات مشينة ترتكب ما كان لنا بها سابق عهد كالتزوير ، والرشوة والتلاعب ، بالمال العام والانتهازية .

كلها سلوكيات كان مجتمعنا الطيب طاهرٌ منها وهي لم تستفحل بعد مازال بإمكاننا تدارك الأمور ، وأول خطواتنا الوقائية هي تحديد علاقتنا بالقانون واحترامنا له الذي هو احترام لذواتنا. وأن يكون لدينا كلنا حُلم كبير بأن يكون هذا البلد الذي يحتضنا هو أجمل البلدان ، وأنقاها وأطهرها ، وأصفاها.

                    

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “عشية ليست كالعشيات”

  1. احييك يا صديقتي على هذا الاهتمام الاجتماعي..لكن لهذا التهور اسبابه ايضا..وتعمل على دعمه عادات سيئة وتبعاتها امر واسوأ..انها يا صديقتي منتديات الارز واللحم..تلك الولائم التي يجلس عليها من يسمونهم بالعقلاء..وبعد التهام اللحم (على حله!!)والشاي الاخضر يتم بواسطة العقلاء ذاتهم تقسيم اللحوم الاخرى للأبرياء ليرموا كل شيء على القضاء والقدر..الموضوع شائك وطويل له علاقة بالترتيبات السيئة للمجتمع..ولذلك تقسم دماء الابرياء ..لان الاكثرية قادرة على دفع الثمن..هذا هو الاساس في التهور الذي ينتجه الشبع والتخمة من منتديات الارز..تحيى لك من الاعماق.

  2. والله اشكرك يا استاذة على هذا الموضوع الجميل…عبدالله التاورغي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر