الماوى والضياع
كتبهازينب شاهين ، في 11 ديسمبر 2007 الساعة: 10:10 ص
المأوى ِالمأوى والضياع
هناك بعض المسلّمات التي لا تقع تحت سيطرتنا ، ونحن حيالها مرغمون لا مخيرون … تأخذ طريقها إليك بدون إرادتك في بطينات حياتك ، دون تخطيط مسبق … ترسم ِِملامح حياتك ، وتضع لها النسق الذي ينطلق بها.
صاحبة قضية هذا العدد هي إنسانة يرتسم على ملامحها حزن الدنيا ، ودهشة العمر المنقضي والآتي . عيناها تبوح بمكمن أسرارها … كنت أعتقد ذلك لكنها أبت هذه المرة ، إلاّ أن تطلق عنان صوتها ، لعله يصل فتجد الصدى الذي يمنحها جزءاً يسيراً من الحنان والأهم الأمان .
صويحبتنا امرأة في منتصف العمر ، تبحث إلى الآن عن مرفأ تضع فيه وسادة الخوف ، والبحث والتوجس جانباً ، لتلقي برأسها في باحة الاستقرار … تقول لقد أخذت كفايتي من الحزن ، أنا أبحث فقط عن مأوى حتى أرتاح بقية عمري . ربما قضيتها هذه شطحت بي ، فلم إلج إليها مباشرةً حتى الآن.
تقول : أمي تلك العجوز التي تقطن مع أختها منذ زمن تزوجت مرراً ، لكنها لم تنجح والسبب هو عدم الإنجاب ، الحياة كانت فقراً ، والكل يحاول التقاط لقيماته كيفما أتّفق … أمي العجوز تستيقظ منذ السويعات الأولى للصباح لتذهب وتخدم في البيوت تلقّط رزقها اليومي ، وتدفع العجلة المستعصية …
في أحد تلك الأيام الممطرة ، سمعت أمي صوت طفل يبكي بصوت مُبَحّ وهـو ملقـي بجانب جامع ، في تلك القرية الخضراء النائمة على مروجها المنسابة … التقفت بحنو تلك الطفلة ، التي لم تتخلص بعد من حبلها السري ، وركضت بها إلى أختها التي استخدمت وسائلها القديمة وقطعت آخر اتصال بينها وبين الأم المجهولة ، التي ألقت بها في ذلك المكان للتخلص من آثار الخطيئة . المهم خافت العجوز على تلك الطفلة التي شعرت معها بأن العناية الإلهية ، هي من ألقت بها في طريقها ، احتضنت الطفلة وغادرت القرية إلى المدينة بدون تفكير … وصلت إلى المدينة بحثت عن مسكن ، وقطنت في غرفة مع مجموعة أسر . وبعدها طلبت من أصحاب " البيت العربي " عملاً لتكسب منه ، وفعلاً أصبحت أمي تذهب من بيت إلى بيت تساعد فيه ربة البيت ، وتقتات مما تتحصل عليه . بدأت أصل سني الأولى عندما عرفت أمي أنه لابد من أن أدون اسمي واسم عائلتي في " البلدية ". عندهـا قررت إفشاء السر هو أنني ابنة أختها المتوفاة ، وفعلاً أحد أصحاب الخير قرر أن يمنحني اسمه وبضع جنيهات لأمي .. حملت اسمه بعد أن فرض اسمي الذي اختاره على أمي … وصلت إلى سن الدراسة ، كانت أمي حريصة على تعليمي ، فأدخلت المدرسة ومن شدة خوفها على كانت تبيع " الفول والحمص " للأولاد بالمدرسة تنتظر خروجي وعندها تلم ما تبقى ونعود معاً ، إلى أن وصلت الصف الخامس خافت علىّ أمي من أن تخسرني فقررت أن تبقيني في البيت حتى لا تتعرض لمشاكل ، وعذرها أنني كبرت وتخاف علـيّ من الخطأ الذي أوقع أمي المجهولة في المحظور ، الذي جعلها تلقي بي في الشارع … خافت أمي العجوز عليّ . فصارت تعلمني كيف أكون أماً ، وزوجة ، فتعلمت الطبخ والحياكة والتنظيف ، إلى أن وصلت سن الخامسة عشرة عندما دق بيتنا ذلك الرجل ، طالباً الزواج . لديه ثلاثة أولاد ، تركتهم أمهم لتغادرهم دون رجعة إلى مثواها الأخير.
وافقت أمي على الفور ، وتزوجت كنت أحب أبناءه كثيراً حاولت أن أعوض لهم مافاتني ، وفاتهم . أنجبت منه ولدين ، ولـم أنجب آخرين ، كانت المشكلة الوحيدة بيني وبينه هو حُبه للأبناء ، وأنا لم أوفق في أكثر من ذلك . عندها صارحني عن رغبته في الإنجاب وبالتالي رغبته في الزواج . لم أستطع تحمل ذلك فطلبت منه أن أقطن في بيت منفصلة عن زوجته مع أولادي وأولاده ، لأنني لا أريد أن أخسرهم ، وفعلاً أستأجر لي بيتاً ، وبدأت منذ تلك الفترة ، أنتقل من بيت إلى بيت وحيـدة مع أبنائي الصغار وبدون أمي العجوز التي فارقتني … أحببت أبنائي كثيراً ، منحتهم أشيائي التي غادرتني دون رضاي . الذي لم يكن في الحسبان هو قراره بالعودة إلى قريته . نعم لقد قرر أن يترك المدينة ويعود وبحكم القانون استطاع أن يأخذ أبنائه معه وظللت وحيدة أعيش مع أسرة طيبة ، لم تفرط في فهي تعي ظروفي جيداً ، وفي أحد الأيام جاء رب الأسرة ، ليقول إن هناك من يريد الزواج بي ، لم أفكر مريئن ، لقد قررت الموافقة رغم معرفتي أن لديه أولاداً أكبر مني سناً وزوجة . وعذره أن زوجته كبرت ولا تستطيع أن تلبي له حقوقه الزوجية . غادرت معه إلى المدينة لأواجه عالماً آخر لم أكن أتوقعه . سبع بنات قابعات في البيت لم يتقبلن وجودي بديلاً لأمهم مطلقاً . وأبناء ذكور لم يستسيغوا وجودي خاصة عندما علموا أن لا أهل لدي ، وأنني ابنة غير شرعية ، لم يتورعوا عن فعل أي شيء ، حتى يجبروني على مغادرة البيت .
فقرر زوجي أن يأتيني ببيت أنفرد به إلا أن ابنه الأكبر أصر أن يأخذ معه بناته السبع قال " أُمنا نحن كفيلون . بها أما البنات فهن مسؤوليتك " لكم أن تتخيلوا هذا الوضع غادرت البيت وأنا أحمل في أحشائي جنيناً عمره أربعة أشهر ، عدت إلى الأسرة نفسها وأنجبت الطفل الذي تعبت كثيراً مع والده لكي يسجّله وإلى الآن عمره تسع سنوات لا يعلم من أمره شيئاً ، رغم حكم المحكمة بالنفقة ولكنها كمن تصيح في الوادي …
أما أبنائي الآخرون فهم يأتون إلىّ بين حين وحين ، مستعرين من كوني أمهم لأنني لقيطة ، ويشكون نظرة المجتمع لهـم ، والأعباء التـي يتحملونها . هم يحبونني كثيراً لكنهم أيضاً يريدون أن يعيشوا في المجتمع فهو منهم وإليهم …
أما منَّ عليّ المزمن بأن منحني منحة أن أحمل ابني باحثةً عن مأوي ، أقطن فيه سقفاً يحميني من غدر الزمن ، أطبخ جيداً ولهذا أعمل كطباخة وأتحصل على رزقي . وبفضل جهود أصحاب الخير تحصلت على المعاش الضماني ولكنني أعاني السكن ، وأبحث عنه حتى أرتاح بقية عمري ، قلت هناك دور للبنات لماذا لم تطرقيها " فالمجتمع ولى من لا ولي له " قالت سيأخذون مني ابني رصيدي الوحيد في هذه الحياة .. نعم لا يريدون أن أربي أخاهم في الدور الاجتماعية . هذا هو شرطهم الوحيد . وأنا قبلت وظللت به أبحث من مرفأ للأمان أغادر به سحابات العمر الحزين.
هناك بعض المسلّمات التي لا تقع تحت سيطرتنا ، ونحن حيالها مرغمون لا مخيرون … تأخذ طريقها إليك بدون إرادتك في بطينات حياتك ، دون تخطيط مسبق … ترسم ملامح حياتك ، وتضع لها النسق الذي ينطلق بها.
صاحبة قضية هذا العدد هي إنسانة يرتسم على ملامحها حزن الدنيا ، ودهشة العمر المنقضي والآتي . عيناها تبوح بمكمن أسرارها … كنت أعتقد ذلك لكنها أبت هذه المرة ، إلاّ أن تطلق عنان صوتها ، لعله يصل فتجد الصدى الذي يمنحها جزءاً يسيراً من الحنان والأهم الأمان .
صويحبتنا امرأة في منتصف العمر ، تبحث إلى الآن عن مرفأ تضع فيه وسادة الخوف ، والبحث والتوجس جانباً ، لتلقي برأسها في باحة الاستقرار … تقول لقد أخذت كفايتي من الحزن ، أنا أبحث فقط عن مأوى حتى أرتاح بقية عمري . ربما قضيتها هذه شطحت بي ، فلم إلج إليها مباشرةً حتى الآن.
تقول : أمي تلك العجوز التي تقطن مع أختها منذ زمن تزوجت مرراً ، لكنها لم تنجح والسبب هو عدم الإنجاب ، الحياة كانت فقراً ، والكل يحاول التقاط لقيماته كيفما أتّفق … أمي العجوز تستيقظ منذ السويعات الأولى للصباح لتذهب وتخدم في البيوت تلقّط رزقها اليومي ، وتدفع العجلة المستعصية …
في أحد تلك الأيام الممطرة ، سمعت أمي صوت طفل يبكي بصوت مُبَحّ وهـو ملقـي بجانب جامع ، في تلك القرية الخضراء النائمة على مروجها المنسابة … التقفت بحنو تلك الطفلة ، التي لم تتخلص بعد من حبلها السري ، وركضت بها إلى أختها التي استخدمت وسائلها القديمة وقطعت آخر اتصال بينها وبين الأم المجهولة ، التي ألقت بها في ذلك المكان للتخلص من آثار الخطيئة . المهم خافت العجوز على تلك الطفلة التي شعرت معها بأن العناية الإلهية ، هي من ألقت بها في طريقها ، احتضنت الطفلة وغادرت القرية إلى المدينة بدون تفكير … وصلت إلى المدينة بحثت عن مسكن ، وقطنت في غرفة مع مجموعة أسر . وبعدها طلبت من أصحاب " البيت العربي " عملاً لتكسب منه ، وفعلاً أصبحت أمي تذهب من بيت إلى بيت تساعد فيه ربة البيت ، وتقتات مما تتحصل عليه . بدأت أصل سني الأولى عندما عرفت أمي أنه لابد من أن أدون اسمي واسم عائلتي في " البلدية ". عندهـا قررت إفشاء السر هو أنني ابنة أختها المتوفاة ، وفعلاً أحد أصحاب الخير قرر أن يمنحني اسمه وبضع جنيهات لأمي .. حملت اسمه بعد أن فرض اسمي الذي اختاره على أمي … وصلت إلى سن الدراسة ، كانت أمي حريصة على تعليمي ، فأدخلت المدرسة ومن شدة خوفها على كانت تبيع " الفول والحمص " للأولاد بالمدرسة تنتظر خروجي وعندها تلم ما تبقى ونعود معاً ، إلى أن وصلت الصف الخامس خافت علىّ أمي من أن تخسرني فقررت أن تبقيني في البيت حتى لا تتعرض لمشاكل ، وعذرها أنني كبرت وتخاف علـيّ من الخطأ الذي أوقع أمي المجهولة في المحظور ، الذي جعلها تلقي بي في الشارع … خافت أمي العجوز عليّ . فصارت تعلمني كيف أكون أماً ، وزوجة ، فتعلمت الطبخ والحياكة والتنظيف ، إلى أن وصلت سن الخامسة عشرة عندما دق بيتنا ذلك الرجل ، طالباً الزواج . لديه ثلاثة أولاد ، تركتهم أمهم لتغادرهم دون رجعة إلى مثواها الأخير.
وافقت أمي على الفور ، وتزوجت كنت أحب أبناءه كثيراً حاولت أن أعوض لهم مافاتني ، وفاتهم . أنجبت منه ولدين ، ولـم أنجب آخرين ، كانت المشكلة الوحيدة بيني وبينه هو حُبه للأبناء ، وأنا لم أوفق في أكثر من ذلك . عندها صارحني عن رغبته في الإنجاب وبالتالي رغبته في الزواج . لم أستطع تحمل ذلك فطلبت منه أن أقطن في بيت منفصلة عن زوجته مع أولادي وأولاده ، لأنني لا أريد أن أخسرهم ، وفعلاً أستأجر لي بيتاً ، وبدأت منذ تلك الفترة ، أنتقل من بيت إلى بيت وحيـدة مع أبنائي الصغار وبدون أمي العجوز التي فارقتني … أحببت أبنائي كثيراً ، منحتهم أشيائي التي غادرتني دون رضاي . الذي لم يكن في الحسبان هو قراره بالعودة إلى قريته . نعم لقد قرر أن يترك المدينة ويعود وبحكم القانون استطاع أن يأخذ أبنائه معه وظللت وحيدة أعيش مع أسرة طيبة ، لم تفرط في فهي تعي ظروفي جيداً ، وفي أحد الأيام جاء رب الأسرة ، ليقول إن هناك من يريد الزواج بي ، لم أفكر مريئن ، لقد قررت الموافقة رغم معرفتي أن لديه أولاداً أكبر مني سناً وزوجة . وعذره أن زوجته كبرت ولا تستطيع أن تلبي له حقوقه الزوجية . غادرت معه إلى المدينة لأواجه عالماً آخر لم أكن أتوقعه . سبع بنات قابعات في البيت لم يتقبلن وجودي بديلاً لأمهم مطلقاً . وأبناء ذكور لم يستسيغوا وجودي خاصة عندما علموا أن لا أهل لدي ، وأنني ابنة غير شرعية ، لم يتورعوا عن فعل أي شيء ، حتى يجبروني على مغادرة البيت .
فقرر زوجي أن يأتيني ببيت أنفرد به إلا أن ابنه الأكبر أصر أن يأخذ معه بناته السبع قال " أُمنا نحن كفيلون . بها أما البنات فهن مسؤوليتك " لكم أن تتخيلوا هذا الوضع غادرت البيت وأنا أحمل في أحشائي جنيناً عمره أربعة أشهر ، عدت إلى الأسرة نفسها وأنجبت الطفل الذي تعبت كثيراً مع والده لكي يسجّله وإلى الآن عمره تسع سنوات لا يعلم من أمره شيئاً ، رغم حكم المحكمة بالنفقة ولكنها كمن تصيح في الوادي …
أما أبنائي الآخرون فهم يأتون إلىّ بين حين وحين ، مستعرين من كوني أمهم لأنني لقيطة ، ويشكون نظرة المجتمع لهـم ، والأعباء التـي يتحملونها . هم يحبونني كثيراً لكنهم أيضاً يريدون أن يعيشوا في المجتمع فهو منهم وإليهم …
أما منَّ عليّ المزمن بأن منحني منحة أن أحمل ابني باحثةً عن مأوي ، أقطن فيه سقفاً يحميني من غدر الزمن ، أطبخ جيداً ولهذا أعمل كطباخة وأتحصل على رزقي . وبفضل جهود أصحاب الخير تحصلت على المعاش الضماني ولكنني أعاني السكن ، وأبحث عنه حتى أرتاح بقية عمري ، قلت هناك دور للبنات لماذا لم تطرقيها " فالمجتمع ولى من لا ولي له " قالت سيأخذون مني ابني رصيدي الوحيد في هذه الحياة .. نعم لا يريدون أن أربي أخاهم في الدور الاجتماعية . هذا هو شرطهم الوحيد . وأنا قبلت وظللت به أبحث من مرفأ للأمان أغادر به سحابات العمر الحزين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : زينب شاهين | السمات:زينب شاهين
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























ديسمبر 11th, 2007 at 11 ديسمبر 2007 12:45 م
تحياتى لك سيدتى الكريمة على هذا الادراج وكل الادراجات الجميلة التى تحتاج الى وقت طويل للتمعن فيها والخوض فى غمارها واعدك بان اخصص لها بعض الوقت لاعطاها حقها من التمعن والتمحيص
كتاباتك رائعة وهادفة وتدعم مجال الادب الانثوى فى بلادنا والذى يحتاج الى رعاية واهتمام
دمتى بود سيدتى وتقبلى احترامى
الريانى