طفلاي والمجهول
كتبهازينب شاهين ، في 4 ديسمبر 2007 الساعة: 11:37 ص
طفلاي والمجهول
أريد أن أعيش كما يعيش الناس ، أريد أن أربي طفلي وطفلتي بالحلال . لقد تعبت وتوجعت وشقيت ووجعت. أريد مَنْ يمدّ لي يد العون ، أن ينشلني من مصير يبدو أمام عيني قائماً.
لا أريد أن أعود لماضٍ أسود ، لا أريد أن ينهشني ذئب الانحراف … أريد أن أعيش كما يعيش بقية خلق الله …. فتحت عيني على أمّ منحرفة ، تتعاطى الرذيلة ، لم أشعر يوماً بالسعادة … لم أشعر أنني طفلة لم أفرح بثوب أو حذاء . لم أفرح بكلمة طيبة … تعذبت … كنت أرى أطفال الحي مسرورين سعداء بأهلهم … سعداء بألعابهم وكنت وحيدة منكسرة … لا تفارق الدموع عيني … حُرمت من المدرسة … حُرمت من ارتداء ثوب المدرسة ، وحمل حقيبة على كتفي … كما يفعل كل الأطفال ، كنت أراقب من الشباك الضيق الأطفال ، وهم يتوجهون إلى مدارسهم منطلقين فرحين … أودعهم حتى يغادروا الشارع وأنتظر عودتهم … أمي لا تبقى في البيت ولا تهتم بي … جو من البؤس والقهر والجوع كبرت فيه … ومع كل عام كان يكبر البؤس … ويكبر القهر ، ويزداد الجوع …
لـم أعد طفلة ولم يعد ينظر إلىّ الوحوش الذين يتـرددون على بيتنا على أنني طفلة … بدأو في نصب شباكهم القذرة ، كانوا يوجهون لي الكلمات النابية علـى مرأى ومسمع من أمـي ، لا هـي ليست أماً … الأم كلمة عظيمة … الأم حب … الأم عطف … الأم حنان وعطاء وحضن دافئ . الأم هي الحضن الـذي يضم … الحضن الذي يزرع فينا كل شيء جميل … كل شيء نقي وطاهر … أمّا هذه المخلوقة فلم تكن يوماً أمّاً … لقد أسلمتني للوحوش … تخيلوا (أماً) هكـذا تسلّم ابنتها لمنحرفين مجردين مـن الإنسانيـة ، لا شفقـة لديهـم ولا رحمة … كان طبيعياً أن أنحرف أن أضيع … وأن سلكت مسلك أمي .. دفعتني هي إلى هذه الطريق طريق الضياع … على أيدي الوحوش ، تعلّمت كل شيء سيئ كل شيء قذر ، كل شيء يحطم إنسانية الإنسان يحطّم أحاسيسه ومشاعـره ، قـادوني إلى التعاطي … نعم تخيلوا فتاة تتعاطي ، وأمها تعرف كل هذا ، وتدرك كل هذا ولا تفعل شيئاً … وكانت النتيجة أنثي انهمكت في طريق الضلال …
هـذا الطـريق نهايته معروفـة … نهايته الهلاك … لا يلومنـي أحدٌ منكـم أنا لم أولد شريرة ولا منحرفة … أنا ولدت طفلة كأية طفلة … لكن هذه الأم جنت علىّ وجنت على نفسها أولاً … وقعت بين يدي الشرطة … لكن المجتمع كان رؤوفاً بي وعطوفاً علىّ ، فتحت دار أحداث إناث ذارعيها واحتضنتني يوم وجدت كل معاملة طيبة ، بل أحسن معاملة تلقيتها في حياتي … شعرت في دار إحداث إناث بنغازي بالاطمئنان ، والرحمة والعطف …
لقد انجبت طفلة غير شرعية قُمت بتربيتها ، وصُرف لي معاش يعيني على ذلك قضيت معها أشهراً ثم تقدّم أحد الأشخاص للزواج مني . لم أكن أعرفه كنت وافقت على أمل أن أعيش حياة جديدة ، تعوّضني سنوات القهر والضياع … لكن القدر كان يخبئ لي فجيعة أخرى . وكأن ما تعرضت له في السنوات السابقة لم يكن كافياً فهناك المزيد من الألم … فالشخص الذي تزوجت منه … كان شخصاً سيئاً نصّاباً … يحتال على معاش الطفلة المسكينة ، ولا يخجل في مدّ يده إليه … تعرضت لمضايقات شديدة من أسرته … فلجأت إلى بيت أمي لم يكن أمامي أيّ حلّ آخر … لم يكن لدي أي ملجأ آخر ، فوجدت أمي مشلولة وأخي مستمر في طريق انحرافه وضياعه نفسه … يكاد لا يفيق من سكره …
في انتظاري عذاب آخر ضياع آخر ودموع بدون حدود … فهذا السكّير طمع هو أيضاً في معاش الطفلة التي لا ولي لها إلا المجتمع … أمّا طفلي فقد امتنع الأب عن دفع النفقة له … وكيف له أن يدفع النفقة وهو يعمل وعشرة قابع في البيت … إنني حريصة جداً على ابعاد أطفالي عن كل شيء ، يمكن أن يسيء أو يدمّر حياتهم . لكن القدر كان لي بالمرصاد … لم أيأس فقد أدخلت ابنتي إلى المدرسة رغم ما نعانيه من سوء المعيشة . نعم فكم من مرة جمعت المعلمة المال لتشتري لابنتي حذاء وحقيبة … لا يهم إنني لا أعمل وأحاول أن أجد عملاً بكل الطرق حتى أومن لأولادي عيشاً شريفاً لا يمكن لي بأي حال من الأحوال ، أن أقتني قرشاً واحداً عن طريق الحرام … سأدافع عن نفسي لأعيش لأطفالي وأعلّمهم وأكبرهم وأدخلهم الجامعات . لكن ماذا أفعل وأنا وسط هذه الظروف القاهرة … الحياة لم تكن في أي يوم من الأيام لصالحي إلا هؤلاء الأطفال الذين أحبهم كثيراً ، وأعيش معهم أجمل لحظات حياتي … أراهم يكبرون رويداً رويداً لكنني لا أستطيع أن أبعد عنهم منظر خالهم ، وهو يضربني ويطلب مني المزيد من المال ؟ ماذا أفعل وهم يرون خالهم سكيراً ، يتفوه بألفاظ بذيئـة ، ويمارس أبشع أنواع الأفعال المشينة والكثير من المشاكل " والعراك" الذي لا حّـد له وكم من ليلة نمنا بدون عشاء ، وكم ذهبت ابنتي إلى المدرسة وهي جائعة .. لكن أؤكد أنني سأعمل مهما تكن طبيعية ، العمل المهم أن يكون شريفاً إن حرصى في هذه الفترة على أطفالي هو السبب في بقائي بجانبهم ، فهم بحاجة ، وخاصة لظروف منزلنا إلى رعاية كاملة لا أستطيع أن أتركهم لوحدهم.
لا يمكن أن أجعل أطفالي يكررون مأساتي … لا أريدهم أن يسلكوا ذلك الطريق البشع … " لا أريد أن يجوعوا عمرهم كله " لا أريدهم أن يذوقوا مرارة الحاجة ، وذلّ السـؤال . عيونهـم البريئة تتطلع لي وكأنها تستنجـد لي ألا أتركهم … ألا أدفعهم إلى الضياع … ماذنب هذين البريئين ماهو الجرم الذي ارتكباه … لكنـي أقف عاجزة أمامهم …
إن معـاشـاً ضئيلاً لا يمكن أن يفـي بأبسط حاجاتهم لا نطمع في كماليات … ولا يحلم كمـا يحلم الآخـرون ، فقط أريد أو أفّر لهم أبسـط الأشياء … لا أريد لهما الضياع … ولا أريد لنفسي العودة إلى الطريق الأسود ، لا أريـد أن أعود للتشرد والانحراف … لا أريد أن أشوّه صورتي في وجه طفلي … لا أريد لطفلتي أن تطأطئ رأسها في المدرسة … المدرسة التي أصريت علـى أن تـذهب إليها كي لا تُحـرم من التعليم … كما حرمت … وهـذا الصغيـر المسكين … ما ذنبه … أن يبيت جائعـاً … متطلعاً إلىّ … ولا حول ولا قوة لي حياله … يعلم ربي إنني أريد أن أعيش كما يعيش خلق الله دون مشاكل ، ودون قهر ، ودون خوف.
أريد أن أجنّب هذين الصغيرين مصيراً أعرفه جيداً ، لأنني دُفعت إليه من أمّ مستهترة وأخ مدمن . هذا أنا وهذان طفلاي … عيون متطلعة إلى السماء ، أريد أن أكمل المشوار مع أسرتي الصغيرة … أريد أن أنشلهم من القهر ، أريد أن أرسم معهم حلماً نسعى إليه معاً … لا أطمع في الكثير ، لا أطمع إلا في غدٍ لا يشقى فيه طفلاي ، ولا تكون فيه طفلتي تكرارً لأمها ..
أمّ فضلت أن تعيش بهدوء لكن الظروف تقف ضدها ، والحياة موسومة بسواد أمامها . هاهو زوجها لم يكتفِ بإيذائها بل أيضاً قرر إيذاء طفلتها والاعتداء علـى حقوقها التي تكفل المجتمع بتوفيره لها . وهو المعاش الوحيد ـ رغم علم ضآلته ـ الذي يسدّ رمق الأسرة بكاملها … وها هو أخي لا يمكن يوماً ما أن يصلح . فهو شاب مستهتر أناني لا يعرف إلا أن يكون دائماً في غيبوبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : زينب شاهين | السمات:زينب شاهين
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























ديسمبر 4th, 2007 at 4 ديسمبر 2007 2:55 م
الاخت الغالية …
الحقيقة قصة مؤثرة ومحزنة تحدث كثيرا في هذا العالم القاسي …والحمد لله ان فضلت الابتعاد عن هذا العالم القذر…وان تجنبي كذلك اطفالك هذا المصير القاسي حتى لا يحقدوا عليك عندما يكبروا …
حلول عملية ..
اولا الابتعاد عن مدينتك واللجوء الى مدينة اخرى اكبر منها ولا يعرفك فيها احد ..
ثانيا ..محاولة البحث عن عمل شريف والحمد لله العمل موجود لمن يبحث ..وادخال الاطفال الروضة او المدرسة خلال تواجدك في العمل ..
ثالثا محاولة استئجار شقة صغيرة والمرتب بالاضافة للمرتب الضماني ان شاء الله سيفي بالغرض ..
رابعا محاولة تربية اطفالك بطريقة مختلفة عن ما تربيت عليه وتجنيبهم هذا الشقاء …
ولا املك الا الدعاء والحب …
ديسمبر 5th, 2007 at 5 ديسمبر 2007 11:59 ص
قصة كنا نشاهدها في الافلام الاجنبية وخاصة الهندية . وربما فينا من لا يتوقع ان تحدث هكذا قصة في مجتمعنا . على العموم اسلوب عرض القصة جميل ومقنع وما حدث لا نستطيع ان نربطه بمجتمعنا ونعطيه خصوصية التخلف المحلية لأنه واقع يمكن ان تعيشه بل نسمع ونقرأ ونشاهد مثله كثيرا في المجتمعات المتقدمة والمتحررة.
على العموم بطلة القصة وضعت يدها على مفتاح الحل باتخاذها قرار المواجهة الصائب ومما يساعدها على ذلك ان مجتمعنا اكثر رحمة وتعاطفا من تلك المجتمعات وفسحة الأمل فيها اكثر فقط حين تتوفر الارادة
تحياتي
ديسمبر 6th, 2007 at 6 ديسمبر 2007 8:22 ص
اسأل الله ان يجنبنا هذه الامراض يا اخن زينب..ولكن حلول الاخت زهرة عملية..حتى لانكون انانيين فنربي اطفالنا على حسب ما عشنا..لابد ان نجنبهم شقاءنا…شكرا لك..التوقيع : حسن البرقلي
ديسمبر 9th, 2007 at 9 ديسمبر 2007 1:17 م
موقع الفضاء الثقافي: أوضحت مصادر مطلعة لمجلة الفضاء الثقافي أن الخبر الذي نشرته صحيفة ليبيا اليوم حول (حملة تنديد تقوم بها المساجد الليبية بنغازي بتوجيهات من هيئة الأوقاف الليبية ضد رواية للجوع وجوه أخرى للروائية وفاء البوعيسي ) لا أساس له من الصحة، وأن مثل هذه الإخبار هي من باب الصحافة الصفراء التي تتهافت على مشاعر أفراد وتحويلها إلى صياغات إخبارية من شأنها أن تربك الحياة الثقافية بتدخلات العامة وإثارة مشاعرهم. هذا وقد أفاد عدد من المصلين أن أيٍ من خطباء المساجد لم يتناول هذا الموضوع المقار منذ فترة حول سوء تأويل العمل الأدبي الإبداعي وفق الأهواء الأيدلوجية والدينية وغيرها.
واعتبرت بعض الجهات المسئولة أن ما تقوم به هذا الصحيفة ليبيا اليوم من ألاعيب تتميز بالمراهقة الصحفية يأتي بعدما رفض طلب رئيس تحريرها سليمان دوغة لمقابلة رئيس الحكومة الليبية ” اللجنة الشعبية العامة ” حيث اعتبر عدد من المراقبين أن ليبيا اليوم تقود بردات فعل لإثارة الانتباه للحكومة ولعب دور يختصر دور الإعلام الإلكتروني الخارجي.
http://www.elfada.com/index.php