لم أتوقع مطلقا أن أجد نفسي دفعة واحدة أمامها، غادرتني كل تحصيناتي، لأقف مشدوهة أمام جارة طيبة ودودة، عرفت أسرتها وجالست أخواتها، لكن لم يدر بخلدي أن لجارتي قصة فريدة، مدهشة ومثيره، لها مذاق التاريخ، وعذوبة الخلود.
مريم… جارتي التي جذبتنا في كثير من الأحيان أحاديث متعددة، نتسامر، ونشارك في تبادل " الحساء الدرناوي والمقطع ".
في تلك العشية البهية حيث جلسنا حول التلفزيون، لنتابع حدثاً اهتزت له افئدتنا وارتفعت معه هاماتنا حينما جلس " القائد " وأحفاد الشهداء في لحظة من لحظات القدر، بينما نهضت تلك الحسناء بكل ما تحمله من حسن وبهاء وإباء، نهضت ليبيا رافلة في مجدها وعزها، محاطة بأبطالها الذين أفلحوا في حبها، على مدار تاريخها ورفرفت في سماء المكان أرواح المنفيين في الجزر النائية، المجتثين من أرضهم والمبعدين قسرا عن أحبتهم، والمعذبين في معتقلات التعذيب، على مرأى ومسمع من كل هؤلاء يوقع "برلسكوني"… إتفاقية الاعتذار عن الحقبة الاستعمارية الإيطالية البغيضة وذلك في مساء يوم 30/8/2008م في مدينة بنغازي، وفي المكان عينه التي كانت تصدر منه التهديدات والملاحقات، والأحكام الظالمة ضد أبناء الشعب الليبي، سابقة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، تمهد الطريق أمام كل الشعوب التي استعمرت كي تطالب يحقوقها وفي صدارتها حق الاعتذارعن جرائم الاستعمار.
وقف برلسكوني ليقبل يدي ابن شيخ الشهداء عمر المختار.. لقد انذرفت دمعتان ساخنتان من عيني مريم، وسط فرحة لا حدود لها، نظرت إليها عانقتها فقالت:
الآن فقط سيرتاح جدى ووالدي في قبريهما، ثم نظرت إلى ّمبتسمة مردفة هل سمعت عن المجاهد يوسف المسلماني فقلت لها مسترجعة بعضا من ذاكرتي …نعم لقد قرأت عنه كتابا …لم تتركني لأكمل حديثي بل واصلت حديثها بحماس: هذا الإيطالي الذى أشهرإسلامه ؛ومات علي دينه.. إنه جدي…قارنت في لحظة اسمها بهذا المجاهد" مريم المسلماني ، انتابتني مشاعر لا يمكن وصفها، أن أكون دون مقدمات، أمام صفحة ناطقة نا صعة، ليست من ورق هذه المرة، بل من لحم ودم.. أمطرتها بوابل من الأسئلة فقالت لا تسأليني عن تفاصيل تاريخية دقيقة. فأخي فتحي لديه عديد المستندات والوثائق، التي توضح لك ذلك ،فطلبت منها أن تحدد لي موعدا معه… أسئلتي لم تتوقف ؛ومريم تسترسل بما تحتفظ به ذاكرتها…أخبرتني جدتي" تبرة موسي المجبري" من عائلة هويدات، أنه عند ولادتها أطلق عليها اسم" مريم " لكن والدها حين عاد من السفر اختار لها اسما آخر هو" تبرة "وهي وريقات الذهب، تفاخرا واعتزازا بها، تعلمت جدتي الفروسية والإقدام والمحاورة . كنا نعيش في هناءة – تتحدث جارتي بلسان جدتها –إلى أن جاء الإيطاليون فانقلبت حياتنا ،قتلا وتشريدا،وجدتني أدخل إلى مرحلة جديدة في حياتي،لم نرض بهذا الاحتلال البغيض،انخرط أهلي في الجهاد، فصرت أساعدهم، وأقدم لهم المؤن والعلاج، وكثيرا مما يعينهم على جهادهم.بينما كانت مريم تطرح ما تحتفظ به شجرة الذاكرة،انضم إلينا أخوها الأكبر "فتحي محمد المسلماني" لتكتسي هذه العشية بعدا آخر،وتستمر مطالعة صفحات من تاريخ ليبيا ،ليس من أسطر في كتب ، كما جرت العادة ،إنما من شخوص هم حبرها ومدادها،هم تفاصيلها ودقائقها هم لحمها ودمها
.يقول فتحي: سأحدثك عن جدي منذ دخوله إلى ليبيا. جدي إيطالي الأصل من مدينة" نابولي"يدعي "كرميني يوريوجوسيبي "جاء مع الجيش الإيطالي إلي حامية درنة عام 1911م وهوبرتبة نقيب وتمركز هناك مع القوات الغازية ؛وقد نشأت علاقة بين الجندي "كرميني"
وسكان مدينة درنة، فقد كانت لديه الرغبة، لتوطيد تلك العلاقات ؛وتنميتها فتعلم اللغة العربية ؛التي ساعدته بالتالي علي قراءة القرآن الكريم. كان جدي























